mardi 13 juin 2017

جنازة شهيد


عِنْدمَا يَذْهَبُ الشُّهَدَاءُ إِلَى النَّوْمِ أَصْحُو، وَأَحْرُسُهُمُ مِنْ هُوَاةِ الرِّثَاءْ

أَقُولُ لَهُم: تُصْبحُونَ عَلَى وَطَنٍ، مِنْ سَحَابٍ وَمِنْ شَجَرٍ، مِنْ سَرَابٍ وَمَاءْ

أُهَنِّئُهُم بِالسَّلامَةِ مِنْ حَادِثِ المُسْتَحِيلِ، وَمِنْ قِيمَةِ الَمَذْبَحِ الفَائِضَهْ
وَأَسْرِقُ وَقْتَاً لِكَيْ يسْرِقُوني مِنَ الوَقْتِ. هَلْ كُلُنَا شُهَدَاءْ؟
وَأهْمسُ: يَا أَصْدِقَائِي اتْرُكُوا حَائِطاَ وَاحداً، لحِبَالِ الغَسِيلِ، اتْرُكُوا لَيْلَةَ
لِلْغِنَاءْ
اُعَلِّقُ أسْمَاءَكُمْ أيْنَ شِئْتُمْ فَنَامُوا قلِيلاً، وَنَامُوا عَلَى سُلَّم الكَرْمَة الحَامضَهْ
لأحْرُسَ أَحْلاَمَكُمْ مِنْ خَنَاجِرِ حُرَّاسِكُم وانْقِلاَب الكِتَابِ عَلَى الأَنْبِيَاءْ
وَكُونُوا نَشِيدَ الذِي لاَ نَشيدَ لهُ عِنْدمَا تَذْهَبُونَ إِلَى النَّومِ هَذَا المَسَاءْ
أَقُولُ لَكُم: تُصْبِحُونَ عَلَى وَطَنٍ حَمّلُوهُ عَلَى فَرَسٍ راكِضَهْ
وَأَهْمِسُ: يَا أَصْدِقَائيَ لَنْ تُصْبِحُوا مِثْلَنَا... حَبْلَ مِشْنَقةٍ غَامِضَه
درويش




 كانت السيارة تسلك الطريق  المتشعّبة المتعرّجة ببطء  شديد . بطء فرضته عليها وضعيّة الطريق من جهة  وهيبة الموكب من جهة أخرى .  كانت السيارة  تتسلّق المرتفعات و تسلك المنعرجات بصعوبة بالغة. لا شيء في الأفق سوى الغابات الاّمتناهية و الجبال  الشاهقة و السحب و كان بحر مدينة طبرقة يبدو لنا  متلألئا  تحت أشعّة الشمس الحارقة بين الفينة و الأخرى   , بين منعرج و آخرو  لا أثر للوجود البشريّ هنا سوى بعض أشخاص قد يعترضونك بين الحين و الآخر هاته امرأة تحاول اقناع بغلتها بمواصلة الطريق و قد أنهكتها أوعية المياه التي أثقلت ظهرها و أولئك بعض صبية يجلسون تحت ظلّ شجرة و بعض كلاب سائبة برزت عظامها  من شدّة نحولها .  هنا ينقطع التواصل مع العالم . فحتّى الهاتف الجوّال خرج عن الخدمة . و انخفض الضغط الجوّي الى 
درجة شعورنا بألم كبير في الأذنين .




 و كنت أتأمّل المناظر الطبيعية   من حولي فأهيم في أفكار و  تأمّلات لا متناهية  . تأمّلات لا  يخرجني منها سوى عويل صفارة سيارة الحرس الوطني التي كانت تتقدّم موكب جنازة الشهيد .فكلّما مررنا بقرية أو تجمّع سكنيّ صغيرالاّ و أطلق سائق سيارة الحرس الوطني  الصفارة  معلنا مرور جنازة الشهيد ليخرج الناس  لتحيّة  البطل و لتفسح السيارات الاخرى الطريق لموكب الجنازة العسكرية .و لا تمضي بعض الدقائق حتى أغوص  في أفكاري من جديد.

 مرّ وقت طويل على خروجنا من ثكنة الجيش الوطني بباجة حيث تمّ تأبين الملازم الأوّل الشهيد محمد علي التوجاني الذي فارقنا فجر يوم الاثنين 12 جوان 2017 بعد أن صارع الموت ببسالة لمدّة 3 أيّام بعد أن انفجر عليه لغم بجبل ورغة و هو يؤدّي مهمّته في حماية الوطن من غدر الخونة وسفّاكي الدماء صارع الموت كما صارع قبله الحياة . فكلّ شيئ من حولي كان يوحي أنّ فترة حياته القصيرة كانت نضالا متواصلا  و صراعا مع الدنيا و الحياة . كنت أتخيّله  و لدا صغيرا سالكا هاته الطرقات الوعرة  و أخالها وقتها لم تعرف التعبيد بعد ليتوّجه الى المدرسة أو دعوني أقول الى القسم أو القسمين الوحيدين الذين تطلق عليهما  تسمية  مدرسة  فتتربّص بيه الأخطار في كلّ حين و يجمّده البرد القارص شتاءا و تلفحه أشعّة الشمس صيفا و من ثمّ مراهقا يقضي أغلب أيّامه في مبيت أحد المعاهد في مدينة طبرقةفلا يعود الى عائلته الاّ في بعض المناسبات ومن ثمّ أرى الشاب اليافع الذّي تحدّى الظروف القاهرة و تفوّق و دخل الاكاديمية العسكرية و أبهر الجميع برفعة أخلاقه و رحابة صدره و خاصّة بذكائه . فكلّ رفاقه  الذين حضروا الجنازة كانوا مجمعين على خصال الشهيد و أرى ذلك التونسيّ الذي  تخرّج بتفوّق  من أكاديميّة عسكرية ببلجيكيا . ذلك الانسان الذي تحدّى كلّ العوائق و الظروف الصعبة ليكون أمل عائلته لا بل كلّ قريته الصغيرة المعلّقة  بين جبال ولاية جندوبة الشاهقة . نعم فمحمد علي كان يمثّل أملا و مثال نجاح للجميع . فما ان وصلنا تلك المنطقة السكنية الصغيرة و قام الجنود بانزال جثمانه من السيارة حتى تعالى العويل من كلّ الجهات . مئات و مئات من النساء و الرجال هرعوا ليدّعوه الوداع الأخير . مشى أغلبهم كيلومترات طويلة على الأقدام ليصلوا منزل عائلته . بكى الجميع نساءا و رجالاكما كان عليه الأمر خلال التأبين في ثكنة باجة .

و كنت كلّما تعمّقت في تأمّلاتي أكرهني و أكرهنا و أمقت الساسة و السياسة. فأرى من خلال محمد علي معاناة فئة كاملة من الشعب . أرى رفاق محمد علي شبّان يافعين و شابات متألّقات يفنون حياتهم في المناطق الوعرة في الجبال و الصحاري و على الحدود و يذودون على الوطن دون هوادة فلا يتمتّعون بالحياة و لا بعائلاتهم و أحبّتهم و لا يتلّقون أجرا من شأنه أن يناسب تضحياتهم و تضحيات عائلاتهم من قبلهم . و أرى عائلات تعيش الفاقة و الحاجة  في قرى تفتقر  لأبسط مرافق الحياة الكريمة تضحّي بالغالي و النّفيس من أجل ابن يمثّل الأمل لتفقده في أوّل الطريق و ليلقى لها بتعويض ماليّ هزيل , نعم فالتعويضات  القيّمة تمنح للدجالين منالساسة .أرى حكومات تدّعي مقاومة الارهاب بينما هي تنشره بصفة مباشرة و غير مباشرة من خلال سياسات خرقاء و استقالة من خدمة الشعب لخدمة أطراف بعينها و جهات محدّدة أحكمت بقبضتها على مفاصل الدولة. 
أغرق في أفكاري فأتساءل عمّا قدّمناه لأبناءو بنات الشعب الذين همّشتهم الجغرافيا  و تحاملت عليهم الظروف الطبيعية و السياسات الاقصائية للحكومات المتتالية 
أرى تعوّدنا على أخبار استشهاد جنودنا البواسل  حدّمرورها مرور الكرام و ادراجها في فئة النشرة الاخبارية العادية فأتساءل عن انسانيتنا.
يتردّد  بكاء والدة محمّد علي في الثكنة خلال التأبين في ذهني و تتكرّر كلماتها  لساعات و ساعات: "ما فائدة كلّ هذا  و قد فقدت ابني؟ أنا أودّعه الوداع الأخير و لم أفرح به حتّى  فأشعر بالألم و يجتاحني الأسى . وأشعر أكثر و أكثر بالاحتقار تجاه فئة باعت ذمتها و مضت تذبح أبناء الوطن باسم جهاد موهوم و موبوء.فئة لم تع بعد أنّ لا مكان  لأفكارها المسمومة بيننا و لا مستقبل لها هنا . فرفاق محمد علي لازالوا هنا رأيتهم أمس .صامدين متحدّين وجعهم   مصرّين على حماية الوطن و الذود عنه
رحم الله الشهيدورزق أهله و رفاقة جميل الصبر و السلوان . 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire